مقالات الإبراهيمي

جهاد الجزائر وطغيان فرنسا "1"

عدد القراء : 3642

      كانت فرنسا تعد الجزائريين في أيام المحن وتمنيهم بإعطاء الحقوق السياسية أو بعضها إذا انتهت الحرب وانتصرت فرنسا لتشتري بتلك الوعود حسن بلائهم في الحرب وصدق نياتهم معها لأنها تعلم أن شجاعة الجزائري في الحرب وإقدامه إنما يصدر فيهما عن طبيعة متأصلة فيه ، أما قلبه وأما نيّته وأما عقله فهي ضد فرنسا التي بتلك الوعود الخلابة إنما تتملق عواطفه إلى حين ، وقد ظهر الطبع الفرنسي على حقيقته من الخداع والمراوغة وخلف الوعود والكذب في أعقاب الحربين العالميتين .




بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة الكرام :
أما الجزائر فقد أعربت عن نفسها بالأعمال الخالدة التي قامت بها ثورتها وثائروها ، وبما أحيت من شرائع الجهاد وسجلت من مواقف البطولة والشجاعة ووقوف العدد القليل من أبنائها ، بما يملكون من سلاح يدوي قليل لا يغني فتيلاً في مجرى العادة ، في وجه جيش يفوقه أضعافاً مضاعفة في العدد والعدة والنظام والتدريب تسانده جميع الأسلحة العصرية الفتاكة من طائرات ودبابات ومدافع ثقيلة وقادة باشروا الحروب الاستعمارية وقادوها في ميادين مختلفة بالشرق والغرب ، وتمرنوا على أساليبها ، يستمدون لوازم الحرب من سلاح وعتاد ومال من بلدهم ، فلا يردّ لهم طلب ولا يتأخر إمداد .
أعربت الجزائر عن نفسها بهذا كله ، فحققت الجهاد بالنفس وهو أحد نوعي الجهاد ، وهو النوع الذي علمت أخباره واشتهرت في العالم ، ورفعت اسم الجزائر إلى السماء وأصبح ذكرها مقروناً بالإعجاب والإكبار ، وذكر بنيها مقروناً بالمدح والثناء ، وأصبحت بطولتهم وشجاعتهم وصبرهم واستماتتهم في سبيل حرية بلادهم مضرب الأمثال وحديث الركبان .
وأما النوع الثاني من الدعائم التي تقوم عليها الثورة وهو الجهاد بالمال فقد قامت الجزائر وحدها بما تتطلبه الثورة من مال ، ولم تدّخر عزيزاً على أبنائها الثائرين المباشرين للجهاد ، وإذا كانت فرنسا تنفق على جيشها في الجزائر المبالغ الطائلة فيقول المقلون أنها تنفق يومياً ملياراً من الفرنكات ، ويقول المكثرون أنها تنفق ملياراً ونصفاً في اليوم الواحد ، مما أثقل ميزانيتها وأوقف ماليتها على حافة الإفلاس لولا إعانة أمريكا التي عرفنا عنها أنها حاضنة الاستعمار وممرضته ، فإنّ الجزائر المسكينة تنفق على ثورتها كل ما تملك من مال وسلاح وكسوة وطعام ، وهي صامدة في ذلك محتسبة ، كل ذلك والفلاحة التي هي قوام حياة الجزائر تتعطل وتتتافه على التاريخ ، وفق سياسة مرسومة من الاستعمار الفرنسي لأنه يعلم أنّ وفرة الفلاحة وخصب السنوات معناه إمداد الثورة بالغذاء ، فضيّقوا دائرتها وأرهقوا الفلاحين بالضرائب من جهة وبالإجلاء من الديار وعدم الاستقرار وفقد الأمن وتشديد المراقبة في تقدير المحصول ، وإتلافه في كثير من الجهات قبل الحصاد أو بعده حتى يجوع الشعب ويجوع المجاهدون تبعاً لهم فيستسلموا .
ولفرنسا في تجويع الشعب الجزائري سنة قديمة معروفة ، فكلما أرادت حمله على مكروه عمدت إلى تجويعه بوسائل شيطانية تبرأ منها الإنسان ، وقد كان الوطن الجزائري قليل المجاعات يوم كانت أطرافه متباعدة ووسائل النقل فيه تعتمد على القوافل ، ولكنه في عهد الحضارة الفرنساوية ووفرة وسائل النقل البخارية والميكانيكية – بحيث تصل النجدة إلى أطرافه المتباعدة في يوم أو بعض يوم – أصبحت تتكرر فيه المجاعات المبيدة مرة أو مرتين في كل خمس سنوات ، فكلما احتاجت فرنسا إلى بضع مئات من الجنود المأجورين تعزز بهم جيشها أو إلى بضع مئات من الأطفال المشردين تملأ بهم مدارس التبشير دبرت مجاعة اصطناعية ، وما أبرع الاستعمار الفرنسي في تدبير المجاعات في وطن يفيض بالخيرات وتكفي محاصيله لأضعاف سكانه ، ووسيلتها إلى هذا التدمير أن توعز إلى شركات تصدير الحبوب في موسم التصدير بأن تصدر أكبر كمية منها إلى أوروبا وغيرها ، وتزيل من طريقهم كل القيود ، فيجمعون كل غلة الموسم في الصيف ، فإذا جاء فصل البرد والحاجة وجد الأهالي الأسواق خالية من الحبوب ، وارتفعت الأسعار وحلّت المجاعة واستحكمت حلقاتها فوجد العسكريون في الشباب الجائع حاجتهم من الجنود المأجورين ، والمبشرون حاجتهم من الأطفال الجياع الحفاة العراة الذين يربونهم على النصرانية ، ووجد المعمرون حاجتهم من قليل الأرض التي بقيت بيد الأهالي المسلمين يبيعونهم إياها بالثمن البخس ، وبهذه الوسيلة الشيطانية خرجت معظم الأرض من أيدي الجزائريين ، وبهذه الوسيلة دعمت فرنسا جيشها بتلك الكتائب من الشباب الجزائري الشجاع الذين ردّوا عنها جحافل الغزاة من الألمان وجلبوا إليها النصر في الوقائع الكبرى باعتراف الفرنسيين أنفسهم .
كانت فرنسا تعد الجزائريين في أيام المحن وتمنيهم بإعطاء الحقوق السياسية أو بعضها إذا انتهت الحرب وانتصرت فرنسا لتشتري بتلك الوعود حسن بلائهم في الحرب وصدق نياتهم معها لأنها تعلم أن شجاعة الجزائري في الحرب وإقدامه إنما يصدر فيهما عن طبيعة متأصلة فيه ، أما قلبه وأما نيّته وأما عقله فهي ضد فرنسا التي بتلك الوعود الخلابة إنما تتملق عواطفه إلى حين ، وقد ظهر الطبع الفرنسي على حقيقته من الخداع والمراوغة وخلف الوعود والكذب في أعقاب الحربين العالميتين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- ملخص كلمة للشيخ ألقيت بالقاهرة في المناسبات الوطنية في الخمسينات .